محمد بن ابراهيم النفزي الرندي
22
غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية
لا يعمل عملا لأجل النفس ، وإلّا دخل عليه مطالبة العوض أو تشوّف إلى حظّ طبع ، والإخلاص عند الموحّدين : خروج الخلق من النظر إليهم في الأفعال ، وترك السكون والاستراحة بهم في الأحوال » انتهى . فإذا أخمل العبد نفسه ، وألزمها التواضع والمذلّة ، واستمر على ذلك حتى صار له خلقا « 1 » وجبلة بحيث لا يجد لضعته ألما ، ولا لمذلته طعما فحينئذ تتزكىّ نفسه ، ويستنير بنور الإخلاص قلبه ، وينال من ربّه أعلى درجات الخصوصية ، ويحصل على أوفر نصيب من المحبّة الحقيقية » . قال الشيخ أبو طالب : « ومتى ذلّ في نفسه ، واتضع عند نفسه ، فلم يجد لذلّته طعما ، ولا لضعته حسّا ، فقد صار الذلّ والتواضع كونه ؛ فهذا لا يكره الذمّ من الخلق لوجود النقص في نفسه ، ولا يحب المدح منهم ؛ لفقد القدر والمنزلة في نفسه ، فصارت الذلّة والضّعة صفة له لا تفارقه ، لازمة لزوم الزبالة لزبّال ، والكساحة للكسّاح ، وهما صنعتان له كسائر الصنائع ، وربما فخر بهما لعدم النظر إلى نقصهما ، فهذه ولاية عظيمة له من ربّه قد ولّاه على نفسه ، وملّكه عليها فقهرها بعزّه ، وهذا مقام محمود محبوب ، وبعده مقام المكاشفات بأسرار الغيوب . ثم قال أبو طالب : ومن كان حاله مع اللّه تعالى الذلّ طلبه واستحلاه ، كما يطلب المتكبّر العزّ ويستحليه إذا وجده ، فإن فارق ذلك الذلّ ساعة تغيّر قلبه لفراق حاله ، كما أنّ المتعزّز إذا فارق العزّ ساعة تكدّر عليه عيشه ؛ لأن ذلك عيش نفسه » انتهى . فإذا ، لا بدّ للمريد من إسقاط جاهه ، وإخمال ذكره ، وفراره عن مواضع اشتهاره ، وتعاطيه أمورا مباحة تسقطه من أعين الناس ، كقصة السائح الذي سمع به ملك زمانه ، فجاء إليه ، فلما علم بذلك السائح استدعى بقلا « 2 » وجعل يأكله أكلا عنيفا بمرأى من الملك ، فلما رآه على تلك الحالة استحقره واستصغره وانصرف عنه ذامّا له . . . وسيأتي نصّ هذه القصّة بعد هذا عند قوله : « ربما دخل الرياء عليك من حيث لا ينظر الخلق إليك » . وقد بالغ بعض أئمة الصوفية ، رضي اللّه عنهم ، في مداواة علّة الجاه الذي علق بالقلوب حتى استعملوا في ذلك أشياء منكرة في ظاهر الشرع ، ورأوا ذلك جائزا لهم أن يفعلوه ، ويأمروا به ، وذلك مثل قصّة الرجل الذي دخل الحمّام ولبس من فاخر ثياب الناس تحت ثيابه بحيث تظهر ، ومشى بذلك متحيّرا بحيث يرى ويظنّ به السرقة ، فلما رآه
--> ( 1 ) الجبلّة : الخلقة أو الأمة ( ج ) جبلات . ( 2 ) البقل : العشب عامة والخضراوات خاصة .